ليس صحيحا أن الإنسان في أميركا إذا صمم واجتهد يمكنه تحقيق كل ما يرغب فيه. ينطبق هذا الحكم على غالبية الشعارات المبسطة والسهلة التكرار والمعدة بعناية “كوبي رايتر” للإعلام مثل “ساوند بايت”.
ولكن هكذا عَنْوَنَ أوباما فوزه، وهكذا وقعه في الحفل الختامي، وهو الحفل الذي ذكَّر المشاهدين الذين تابعوا حفل الختام على الشاشة -وشاهدوا الحضور الذين أحاطوا بالمنصة برهبة ودموع وتقوى من يشهد حدثا تاريخيا، ويعرف أنه يشهده، ويصرخ مؤكدا أنه يعرف- بنهايات هوليوود السعيدة في الأفلام التي تنتهي بفوز الرئيس الأسود، أو النائبة المرأة، أو الفريق الضعيف، أو اللاعب المعوق، أو المثلي النزعة الجنسية الذي قرر أن يصبح رئيس أركان، أو نجاة العالم على يد بطل أبيض، وصاحبي البطل الزميل أو الزميلة السوداء والزميل أو الزميلة اليهودية.
وعلى كل حال، ساد شعور من النوع الذي يشوب الإنسان عندما يعتقد أن ما يشاهده أو يمر به سبق أن رآه في حلم… مع الفرق بأنه سبق أن رآه في فيلم، فقد سبقت هوليوود الواقع، وأنتجت أفلاما يظهر فيها بدور رئيس الولايات المتحدة ممثل أسود البشرة.
وما ذاك إلا وجه هوليوود المتنور، بما للتنوير من تقدمية وما عليه من احتكار الحقيقة والتنميط وهندسة المجتمع وتوزيع علماني للخير والشر.
ولكن هوليوود لم تنتقل من عكس الواقع إلى صنعه، فهي على أية حال تقوم بالعمليتين سوية دائما، حالها كحال الإنتاج الثقافي عموما، ناهيك عن الثقافة السينمائية الشمولية.. ولكن ما رأيناه في هذه الحملة هو أن من يصنع أفلام هوليوود هي نفس صناعة الصور والأحلام والدعاية والتسويق التي صنعت ظاهرة أوباما.. لا مؤامرة هنا، بل بنية اقتصاد وثقافة.
ورغم شاعرية الموقف بالنسبة للكثيرين، لم ينتصر عالم الشعر والفن والأفلام، بل حصلت تغيرات أخرى هامة، تؤثر على شقي الدنيا الواقع والخيال وتتأثر بهما. لا يمكن تجاهل الأسطورة التي يتم صنعها، ولكن لا يجوز لنا أن نساهم في صنعها.
على كل حال لدينا شخص حاول طويلا تجسيد الأسطورة وأتقن الدور حتى تقمصه.. وأقصد الحديث المستمر عن الأصل وسياسات الهوية، والأب من كينيا والأم من كنساس.. الطريق الشاق إلى هارفارد.. ومنها إلى السياسة عبر التطوع، ثم الطريق الشاق لكي يقبل كشخصية قيادية ومرشح رئاسة في مؤسسة الحزب الديمقراطي.
وكأنه كائن مبرمج، وضع نصب عينيه هدفا أن يصبح رئيسا، فصار رئيسا مثبتا صحة الأسطورة أعلاه التي كررها دون أن يرف له جفن في حفل الافتتاح، ما يطرح ألف علامة سؤال على نقديته للواقع الأميركي.
وحتى لو صحت أسطورة تحقيق الفرد ما يصبو إليه في أميركا، فإذا كان الهدف فرديا إلى هذا الحد، وإذا كانت القصة قصة نجاح فردية، لا علاقة لها بالقيم والبرامج السياسية التي يحملها هذا الرئيس.. فلماذا نهتم؟
نهتم، لأن الأمور ليست بهذه البساطة التي يصورها. علينا أن نذكر أن وصول أوباما إلى السلطة لم يحقق حلمه الفردي -الذي لا يهمنا- فحسب، بل عكس تغيرا أعمق في المجتمع الأميركي.
وهذا الأخير يجب أن يهم كل من يريد أن يفهم ما جرى. وهو تغيير حقيقي وفعلي حمله بشكل خاص الجيل الشاب الذي يصوت لأول مرة، والأقليات والنساء، والقوى الليبرالية في المجتمع الأميركي.. كان هؤلاء وكلاء تغيير آن أوانه بعد عقود من المخاض في مرحلة حركة الحقوق المدنية.
ولكي لا نعود إلى تاريخ العبودية والتمييز العنصري الذي وصل حد الفصل العرقي حتى ستينيات القرن العشرين في الولايات الجنوبية، نذكر فقط أن دوكاكيس حاكم ولاية ماساشوستس الأبيض عير قبل عقدين عندما رشحه الحزب الديمقراطي للرئاسة بأنه مولود في الولايات المتحدة من مهاجر من اليونان. لا بد أن تغيرا عميقا جرى وجعل ترشيح أوباما باسم الحزب الديمقراطي وفوزه ممكنا.
لا شك في مساهمة صناعة البضاعة بما فيها الصور والأحلام وعملية التسويق المسمى “علما” في تلك البلاد في خلق الثقافة والحاجات، ولكن الصناعة والتسويق يتعاملان مع حاجات ظهرت في المجتمع الأميركي نتيجة لتغيرات أعمق من مجرد التغيرات التي تحدثها الدعاية لمنتج.
لقد تراكمت تطورات أدت إلى تغيير تدريجي في الثقافة الأميركية، وهذا التغيير لا يسمح فقط بتنافس امرأة ورجل أفريقي الأصل على منصب مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة، بل ويحول الرجل الأفريقي إلى الحصان الرابح لأحد شقي المؤسسة في عملية التغيير وتداول السلطة مع شقها الثاني.
لم يصنع الفائز أسطورة النجاح في بلد الفرص غير المحدودة، ولم يثبتها، ولكن صناع الأسطورة صنعوه أيضا، لأنه آن الأوان لذلك.. وهو كان منهجيا ومثابرا ومقنعا طبعا. وهذا هو جانب الحقيقة في الموضوع.
لدينا هنا مثال حي ليس على تغيير سوف يحدثه رجل أسود البشرة في سياسة أميركا ومؤسستها السياسية، بل على تغيير حصل وجعل وصوله ممكنا.
لقد حصل التغيير، وهو تغيير جدي، وأفهم أنه يدمع عيني من نادوا بالمساواة طيلة عقود ورأوا انتخاب رئيس أسود أمام أعينهم، أما أن يؤدي هذا التغيير إلى تغيرات جوهرية في السياسة الأميركية، فليس أمرا مرهونا بهذا الشخص، بل بالمؤسسة الحاكمة وبالتطورات العالمية نفسها.
الأزمة المالية الحادة والكساد القادم وقوة الصين وروسيا وغيرها، يضاف إليها فشل فكرة الإمبراطورية المفروضة بقوة السلاح دون هيمنة أو جاذبية معنوية، هذه العوامل مجتمعة سوف تفرض تغيرات أعمق وأهم من وصول الرئيس بحد ذاته، لأن وصوله عكس ولخص وأكد تغيرا آخر جرى وأدى إلى نجاحه الانتخابي.
وسوف

























