الأمل والتغيير.. الواقع والخيال - عزمي بشارة -

كتبها marouanexp ، في 9 نوفمبر 2008 الساعة: 18:12 م

ليس صحيحا أن الإنسان في أميركا إذا صمم واجتهد يمكنه تحقيق كل ما يرغب فيه. ينطبق هذا الحكم على غالبية الشعارات المبسطة والسهلة التكرار والمعدة بعناية “كوبي رايتر” للإعلام مثل “ساوند بايت”.

ولكن هكذا عَنْوَنَ أوباما فوزه، وهكذا وقعه في الحفل الختامي، وهو الحفل الذي ذكَّر المشاهدين الذين تابعوا حفل الختام على الشاشة -وشاهدوا الحضور الذين أحاطوا بالمنصة برهبة ودموع وتقوى من يشهد حدثا تاريخيا، ويعرف أنه يشهده، ويصرخ مؤكدا أنه يعرف- بنهايات هوليوود السعيدة في الأفلام التي تنتهي بفوز الرئيس الأسود، أو النائبة المرأة، أو الفريق الضعيف، أو اللاعب المعوق، أو المثلي النزعة الجنسية الذي قرر أن يصبح رئيس أركان، أو نجاة العالم على يد بطل أبيض، وصاحبي البطل الزميل أو الزميلة السوداء والزميل أو الزميلة اليهودية.

وعلى كل حال، ساد شعور من النوع الذي يشوب الإنسان عندما يعتقد أن ما يشاهده أو يمر به سبق أن رآه في حلم… مع الفرق بأنه سبق أن رآه في فيلم، فقد سبقت هوليوود الواقع، وأنتجت أفلاما يظهر فيها بدور رئيس الولايات المتحدة ممثل أسود البشرة.

وما ذاك إلا وجه هوليوود المتنور، بما للتنوير من تقدمية وما عليه من احتكار الحقيقة والتنميط وهندسة المجتمع وتوزيع علماني للخير والشر.

ولكن هوليوود لم تنتقل من عكس الواقع إلى صنعه، فهي على أية حال تقوم بالعمليتين سوية دائما، حالها كحال الإنتاج الثقافي عموما، ناهيك عن الثقافة السينمائية الشمولية.. ولكن ما رأيناه في هذه الحملة هو أن من يصنع أفلام هوليوود هي نفس صناعة الصور والأحلام والدعاية والتسويق التي صنعت ظاهرة أوباما.. لا مؤامرة هنا، بل بنية اقتصاد وثقافة.

ورغم شاعرية الموقف بالنسبة للكثيرين، لم ينتصر عالم الشعر والفن والأفلام، بل حصلت تغيرات أخرى هامة، تؤثر على شقي الدنيا الواقع والخيال وتتأثر بهما. لا يمكن تجاهل الأسطورة التي يتم صنعها، ولكن لا يجوز لنا أن نساهم في صنعها.

على كل حال لدينا شخص حاول طويلا تجسيد الأسطورة وأتقن الدور حتى تقمصه.. وأقصد الحديث المستمر عن الأصل وسياسات الهوية، والأب من كينيا والأم من كنساس.. الطريق الشاق إلى هارفارد.. ومنها إلى السياسة عبر التطوع، ثم الطريق الشاق لكي يقبل كشخصية قيادية ومرشح رئاسة في مؤسسة الحزب الديمقراطي.

وكأنه كائن مبرمج، وضع نصب عينيه هدفا أن يصبح رئيسا، فصار رئيسا مثبتا صحة الأسطورة أعلاه التي كررها دون أن يرف له جفن في حفل الافتتاح، ما يطرح ألف علامة سؤال على نقديته للواقع الأميركي.

وحتى لو صحت أسطورة تحقيق الفرد ما يصبو إليه في أميركا، فإذا كان الهدف فرديا إلى هذا الحد، وإذا كانت القصة قصة نجاح فردية، لا علاقة لها بالقيم والبرامج السياسية التي يحملها هذا الرئيس.. فلماذا نهتم؟

نهتم، لأن الأمور ليست بهذه البساطة التي يصورها. علينا أن نذكر أن وصول أوباما إلى السلطة لم يحقق حلمه الفردي -الذي لا يهمنا- فحسب، بل عكس تغيرا أعمق في المجتمع الأميركي.

وهذا الأخير يجب أن يهم كل من يريد أن يفهم ما جرى. وهو تغيير حقيقي وفعلي حمله بشكل خاص الجيل الشاب الذي يصوت لأول مرة، والأقليات والنساء، والقوى الليبرالية في المجتمع الأميركي.. كان هؤلاء وكلاء تغيير آن أوانه بعد عقود من المخاض في مرحلة حركة الحقوق المدنية.

ولكي لا نعود إلى تاريخ العبودية والتمييز العنصري الذي وصل حد الفصل العرقي حتى ستينيات القرن العشرين في الولايات الجنوبية، نذكر فقط أن دوكاكيس حاكم ولاية ماساشوستس الأبيض عير قبل عقدين عندما رشحه الحزب الديمقراطي للرئاسة بأنه مولود في الولايات المتحدة من مهاجر من اليونان. لا بد أن تغيرا عميقا جرى وجعل ترشيح أوباما باسم الحزب الديمقراطي وفوزه ممكنا.

لا شك في مساهمة صناعة البضاعة بما فيها الصور والأحلام وعملية التسويق المسمى “علما” في تلك البلاد في خلق الثقافة والحاجات، ولكن الصناعة والتسويق يتعاملان مع حاجات ظهرت في المجتمع الأميركي نتيجة لتغيرات أعمق من مجرد التغيرات التي تحدثها الدعاية لمنتج.

لقد تراكمت تطورات أدت إلى تغيير تدريجي في الثقافة الأميركية، وهذا التغيير لا يسمح فقط بتنافس امرأة ورجل أفريقي الأصل على منصب مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة، بل ويحول الرجل الأفريقي إلى الحصان الرابح لأحد شقي المؤسسة في عملية التغيير وتداول السلطة مع شقها الثاني.

لم يصنع الفائز أسطورة النجاح في بلد الفرص غير المحدودة، ولم يثبتها، ولكن صناع الأسطورة صنعوه أيضا، لأنه آن الأوان لذلك.. وهو كان منهجيا ومثابرا ومقنعا طبعا. وهذا هو جانب الحقيقة في الموضوع.

لدينا هنا مثال حي ليس على تغيير سوف يحدثه رجل أسود البشرة في سياسة أميركا ومؤسستها السياسية، بل على تغيير حصل وجعل وصوله ممكنا.

لقد حصل التغيير، وهو تغيير جدي، وأفهم أنه يدمع عيني من نادوا بالمساواة طيلة عقود ورأوا انتخاب رئيس أسود أمام أعينهم، أما أن يؤدي هذا التغيير إلى تغيرات جوهرية في السياسة الأميركية، فليس أمرا مرهونا بهذا الشخص، بل بالمؤسسة الحاكمة وبالتطورات العالمية نفسها.

الأزمة المالية الحادة والكساد القادم وقوة الصين وروسيا وغيرها، يضاف إليها فشل فكرة الإمبراطورية المفروضة بقوة السلاح دون هيمنة أو جاذبية معنوية، هذه العوامل مجتمعة سوف تفرض تغيرات أعمق وأهم من وصول الرئيس بحد ذاته، لأن وصوله عكس ولخص وأكد تغيرا آخر جرى وأدى إلى نجاحه الانتخابي.

وسوف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كلنا يوسف القرضاوي - راشد الغنوشي-

كتبها marouanexp ، في 18 سبتمبر 2008 الساعة: 23:59 م

المجتمعات كالأفراد تملك حاسة للدفاع عن الوجود، ولذلك يتملّكها الخوف والغضب إذ ترى أسس اجتماعها ووحدتها يتسرب إليها الوهن ويتم اختراقها من قبل كيانات دخيلة أيا كان نوع هذا الدخيل سنيا أم شيعيا.

هذا لا يعني دفع الأمر إلى نهاياته كما يفعل دعاة التكفير والتطرف إذ يرفضون بشدة التنوع والتعدد داخل الإسلام وكان من مفاخره وأسس حضارته التي لم تعرف –عموما- الحروب الدينية والتطهير العرقي بل تعايشت في بيئة كالعراق كل الطوائف قبل أن تبتلى بالاحتلال, ودعاة التكفير لا يخلو منهم هذا الفريق أو ذاك.

فوجئنا في هذه الأيام المباركات بتصريحات سافلة صادرة عن وكالة أنباء إيرانية “مهر” تخطت كل الحدود والاعتبارات الأخلاقية والشرعية في تعاملها مع أهم رموز الإسلام المعاصر العلامة المجاهد الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في تحد سافر للأمة ولعلمائها قاطبة بمن فيهم علماء الشيعة الذين كانوا من بين علماء الإسلام الذين اختاروا بالإجماع الشيخ العلامة رئيسا لهم، بينما تم اختيار فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري من علماء المذهب الأمامي احد نوابه.

محرر الشؤون الدولية في الوكالة المسمى حسن زاده في تحد سافر وسافل لم يتردد -حسبما تناقلته الصحف- في قذف العلامة القرضاوي بأقذع الشتائم والافتراءات واصفا له” أنه يتحدث نيابة عن الماسونية العالمية وحاخامات اليهود وأن لغته تتسم بالنفاق والدجل.. وهو ما أفقده وزنه بعدما تفوه بالكلمات البذيئة ضد شيعة آل رسول الله.

إن كلامه يصب في مصلحة الصهاينة وحاخامات اليهود الذين يحذرون من المد الشيعي بعد هزيمة الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان” وبلغ بمحرر الوكالة الجموح والطفح الطائفي أن ذكر أنه في مقابل انتصار الشيعة ممثلة بحزب الله على العدو الصهيوني ولت الجيوش العربية السنية الأدبار مهزومة ..”.

فماذا أتى الشيخ القرضاوي حتى يستحق كل هذه الصواعق والقذائف: هل كفر بالله ورسوله؟ أم هل تعاون مع جيوش الكفر وسهل عملها في احتلال بلاد إسلامية وأغراها بذلك وامتن به عليها؟ هل جعل دينا له يتعبد به ربه لعن أحب وأقرب الرجال والنساء إلى قلب صاحب الدعوة ممن مات وهو عنهم راض، وكيف يأتي القرضاوي شيئا من ذلك وهو رأس مذهب جمهور المسلمين الذين يترضّون عن كل صحب محمد وبالخصوص آل بيته عليه وعليهم صلوات ربي وسلامه ؟

هل عرف القرضاوي بالولاء للحكام وقد كابد ما كابد من ظلمهم سجنا وتهجيرا؟ هل هو فعلا محل رضي حاخامات اليهود والمتنفذين الدوليين وهو الأشد عليهم بفتاواه وخطبه المحرضة على الصهيونية والداعمة للمقاومة حتى تنادت أقلام متصهينة بدعوة الأمين العام لمحاكمته في محكمة دولية بتهمة أنه منظّر للإرهاب، بناء على أنه من أفتى بالعمليات الاستشهادية ضد الاحتلال الصهيوني ومن أفتى بوجوب دعم حزب الله في لبنان، وكل ذلك فجر الأحقاد الصهيونية الامبريالية ضده، كما كشفت عنها الحملة الشعواء ضده خلال زيارته الأخيرة لبريطانيا منذ سنتين، بلغت إلى حد مطالبة المجلس اليهودي الدعي العام باعتقاله, وقاد ذلك إلى حظر دخوله بريطانيا، سبيلا لمنعه من كل أوروبا بعد أن كان قد منع منذ سنوات عديدة من دخول الولايات المتحدة.

كما كان قد أفتى بتحريم العدوان على إيران أو التعاون مع المعتدين عليها مدافعا عن حقها في تطوير مشروعها النووي. فكان القرضاوي ولا يزال صوت الأمة الذاب عن عقائدها المدافع عن مظلوميها الشاد بإزر قوى المقاومة حيثما كانت، وذلك ما يفسر استهدافه المتواصل من طرف كل القوى المعادية للامة ولدينها، فكيف غاب كل ذلك عن محرر وكالة الأنباء.

أوليس من التجني على هذا الرمز هذه المحاولة الفاشلة الرخيصة لتلويث هذه السيرة العطرة ؟ فماذا أتى القرضاوي بالضبط حتى يوجه إليه كل هذه السيل من الاتهامات؟

جل ما في الأمر أن الشيخ في لقاء له صحفي مع جريدة “مصر اليوم” خلال زيارة له أخيرة إلى وطنه مصر نبه إلى ظاهرة انزعج من تناميها السنوات الأخيرة وما فتئ ينبه إلى خطرها على وحدة الأمة التي يتغنى بها الجميع بينما هذه الظاهرة تطعنها في الظهر، هي ظاهرة التمدد المذهبي الشيعي في مناطق تتمتع بوحدة مذهبية سنية منذ مئات السنين مثل مناطق شمال إفريقيا ومصر.

فقد عبر الشيخ القرضاوي عن انزعاجه من تفشي هذه الظاهرة في مصر حيث تستغل بعض المراجع الإمامية ما يتوفر لديها من

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رمضان مدرسة للتنمية -راشد الغنوشي-

كتبها marouanexp ، في 10 سبتمبر 2008 الساعة: 23:43 م

بدءا، نهنئ أمة الإسلام بموسم الخير والمغفرة والرحمة، شهر القرآن والرضوان والعتق من النيران، وبالخصوص الملايين الذين/اللائي، يؤدونه للمرة الأولى، بأثر اهتداء أو توب أو بلوغ رشد.

ونرجو للجميع التوفيق في اجتراح أعظم الطاعات للفوز في نهاية الموسم بأعظم التيجان تاج التقى “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون” ومن ثمارها دخول جنات النعيم من باب الريان.

تستقبل هذه الايام أمة الإسلام شهرا تهفو له القلوب وتتهيأ فيه المجتمعات الإسلامية للانخراط في حركية شديدة على كل المستويات، قد يمتد أثرها لأبعد من ذلك، متخذة أبعادا كونية روحية، فتزكو مفاعيل الخير، وتنحسر مثيرات الشرور.

أو لم يخبر من أظهره علام الغيوب على طرف من غيبه أنه “إذا أقبل رمضان فتّحت أبواب الجنة وغلّقت أبواب النار وصفّدت الشياطين، وقيل ياباغي الخير أقبل ويا باغي الشر أدبر”.

فضل هذا الشهر على بقية الشهور مستمد أساسا من كونه الوعاء الزمني لأداء فريضة الصيام -الركن الخامس من أركان الإسلام- إلى جانب الشهادتين والصلاة والزكاة والحج، الركن الذي أجمع المسلمون على كفر منكره وفسق المتقاعس عنه، وأنه عبادة خالصة لله سبحانه تقربا له، استجابة لأمره، دون رياء ودون ابتغاء أي مصلحة دنيوية “الصوم لي وأنا أجزي به”.

إن بركات هذا الموسم -على غرار بقية فرائض الإسلام- لا تقتصر على البعد الروحي على أهميته في كل مشروع مجتمعي تنموي جدير بهذا الوصف، وإنما تضاف اليه فتزكيه أبعاد أخرى شديدة التركيب خليقة إذا هي اكتشفت ففعّلت أن تغدو مقوما أساسيا من مقومات مشروع تنموي مركّب شامل، غفلت عنه أو تجاهلته أو همشته بل أحيانا ناصبته العداء مشاريع التنمية في أمتنا، فولدت ميتة أو كسيحة.

أو لم يعمد رئيس “دولة مسلمة” في أول يوم من رمضان إلى مخاطبة شعبه داعيا إياه إلى الكف عن الصوم دعما لمعركة التنمية ضد التخلف الاقتصادي، واتخذ من نفسه قدوة، فاحتسى كوبا من العصير في رابعة النهار، حاملا إياهم بقوة الدولة على فعل ذلك.

وماذا كانت النتيجة في هذا البلد؟ لا التنمية الاقتصادية الموعودة والمطلوب رأس الإسلام ثمنا لها، قد تحققت، ولا تركوا الناس وما يدينون، فلا أطعموهم من جوع ولا آمنوهم من خوف.

وتلك عموما حصائل التجارب التنموية في بلاد العرب. وعلى وفرة ثرواتها الطبيعية ما يكاد ينمو فيها غير أجهزة التخويف والقمع، ومعدلات الفقر والبطالة واتساع الهوة بين القلة الحاكمة المحتجبة للثروة وللسلطة وبين جمهرة الناس المحرومة منهما.

هي بمقاييس الديمقراطية في ذيل دول العالم. وبمقاييس الاقتصاد كثير منها مهدد بالمجاعات وبالانتفاضات الشعبية. وما حصل في سيدي إيفني بالمغرب وفي وهران بالجزائر وفي الحوض المنجمي بتونس وفي مصر تساقطت عشرات الضحايا تزاحما على الرغيف وفي السودان أزمة دارفور وفي اليمن انتفاضة الجنوب المهددة لوحدة البلد.

وسياق ذلك واحد: إفلاس تجارب للتنمية ولدت ميتة أو كسيحة بسبب تهميشها أو مناوأتها لمقومات الشخصية الثقافية لأمتنا التي يشكل الإسلام بعقائده وشعائره وشرائعه ورموزه التاريخية الطاقة المحركة لها.

لقد تعاملت مع التنمية على أنها عملية ميكانيكية بلا روح، تتمثل في استيراد مظاهر من التحضر الغربي: مصانع مجتثة من سياقاتها الثقافية، وزرعها في بيئة غير بيئتها، فانتهت بمرّ السنين أكداس خردة، ولربما استوردت معها منظومات قوانين ومؤسسات وقيم تحديثية منتزعة من سياقات تاريخية وثقافية غريبة.

فكان الناس معها كأنهم ينادون من مكان بعيد أو بلغات أخرى. في تجاهل للطبيعية المركبة للتجارب المنقول عنها التي انتقلت بأهلها من طور العجز والتخلف والضعف والتشتت والهوان إلى طور التحرر والتوحد والعزة والكفاية، بسبب تفعيلها لكل أرصدتها الثقافية، تواصلا مع تاريخها في أثواب وصيغ جديدة، فكان تطورها احتفاظا بخير ما فيه وتجاوزا لسلبياته، إذ لا تنمية خارج التاريخ والجغرافيا.

وتكفي نظرة تلقى على مسيرة تجربتين تنمويتين آسويتين: اليابان و ماليزيا، اللتين نقلتا قطرين محدودي الثروات الطبيعية من وضع الفاقة إلى صدارة الدول المتقدمة، لنقف على نموذج متميز لتنمية مركبة لم تتأسس على فكرة القطيعة مع الماضي، بل على تفعيله.

إن البلدين اقتبسا من التجارب التنموية الغربية علوما ومعارف، ولكن ظل ذلك الاقتباس يتم في سياق الروح القومية، بما لا يفقد الثقة فيها بل يعززها.

وحتى القيم الجديدة المقتبسة في مجال الإدارة والتنظيم والمنافسة واحترام الحريات الفردية والجماعية تم تأصيلها ضمن القيم الوطنية.

لقد تبنت كل منهما مبدأ الاعتماد على الذات، بما جعل الياباني المفتقر للثروات الطبيعية يرى في التنمية فنا من فنون الارتقاء بالأشياء إلى مستوى الأفكار بينما التخلف يعبر عن العجز عن ربط الأشياء بالأفكار.

وكان من ذلك اهتمام اليابان باللغة اليابانية فكان ذلك سببا وراء نهضته، لأن الكتابة باللغة اليابانية في جميع ميادين العلم والمعرفة جعلت عامة الناس طرفا شريكا في عملية التنمية مما حفز على النمو الاقتصادي.

وأدى إلى الحفاظ على وحدة اليابان وهويته بما استلهمت من تراثه بطريقة ذكية، لتستخرج منه حداثة يابانية جديدة تختلف في محتواها عن حداثة الغرب.

ونجحت ماليزيا كذلك في الإفادة من التجربة التنموية اليابانية دون استنساخ لأشكالها، فأكسبت شعبها غير المتجانس ثقافة اقتصادية متجانسة، فتعلموا من اليابان التفاني في العمل واحترام الوقت والإنتاجية والعمل المشترك والاعتماد على الذات والاعتزاز بالهوية ورفض التدخل الأجنبي.

وفعل ذلك الشعب ما ترسب في تاريخهم من قيم وعقائد وثقافة ولغة ودين وتسامح في

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مع الشيخ القرضاوي.. في محراب الدعاء

كتبها marouanexp ، في 22 يونيو 2008 الساعة: 23:30 م

 اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه.

 اللهم إني أعوذ بك أن أقول زورا، أو أغشى فجورا، أو أكون بك مغرورا.

 اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة.

 اللهم إني أعوذ بك من الشِّقاق والنفاق وسوء الأخلاق.

 أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفثه ونفخه ووسوسته في صدور الناس.

 اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن عمل لا يرفع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع.

 اللهم إني أعوذ بك من جَهْدِ البلاء، ودَرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.

 اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى، ومن شر فتنة الفقر.

 اللهم إني أعوذ بك من وَحْر الصدر، ومن شتات الأمر، ومن فتنة القبر.

 اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من المأثم والمغرم.

اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء.

 اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.

 اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر جوارحي.

 اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام، ومن سيئ الأسقام.

 اللهم إني أعوذ بك من التردي، وأعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الغرق والحرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عقل المملكة المخدَّر - توفيق بوعشرين -

كتبها marouanexp ، في 22 يونيو 2008 الساعة: 16:10 م

في السنوات الأولى للعهد الجديد، نزل سخط شديد على المستشار الملكي أندري أزولاي، عندما تسرب تصريح له في كواليس صالونات الرباط إلى الصحافة يقول: «إن المملكة لم تعد تتوفر على عمود فقري». وقبل أكثر من 3 سنوات، أقيل سفير المغرب في باريس حسن أبو أيوب لأنه كان يتحدث بصراحة عن أعطاب المملكة، وينقل بصراحة أهم ملاحظات الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى السلطات العليا في الرباط. وقبل أزولاي وأبو أيوب، غضب القصر من ملاحظات الأمير مولاي هشام حول مسار التحول الديمقراطي في البلاد، وعن شروط الانتقال السليم نحو مغرب آخر، ثم انسحب الغضب والسخط على محمد الساسي عندما دعا إلى وقف تقبيل يد الملك وقول الحقيقة له، ونفس المصير لقيه حديث أحمد الريسوني عن فصل الفتوى عن مهام إمارة المؤمنين، ثم صنف كلام مصطفى الرميد، عن ضرورة فصل القداسة عن السلطة والملكية عن التنفيذ، على أنه راديكالية لا تحتملها المشاعر المرهفة للمملكة الشريفة، أما حسن الشامي، رئيس الباطرونا، فقد عوقب على دعوته المحيط الملكي إلى ترك جطو يشتغل… أما تقارير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن استمرار انتهاكات حقوق الإنسان وضرورة محاكمة المسؤولين عن التاريخ الأسود للمغرب، فالسلطة تعتبرها حربا مفتوحة على إنجازاتها، ولا تقابلها سوى بالرفض والتعنيف في حق أصحابها…
تقارير منظمة العفو الدولية ومنظمة الشفافية الدولية و«هيومان رايتس ووتش» والبنك الدولي و«فريدم هاوس» ومراسلون بلا حدود، والمنظمة الأمريكية لحماية حرية الصحافة… كل هذه تقارير تحذر من مغبة التراجع عن المكتسبات، وتحذر من رجوع ممارسات الماضي إلى الواجهة…
ألا يستمع عقل السلطة إلى كل هذه الملاحظات

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الإنسان العربي يعود إلى أسفل مثلث ماسلو ! - فيصل القاسم -

كتبها marouanexp ، في 4 يونيو 2008 الساعة: 17:42 م

 121237 كان هناك شخص يعيش مع أولاده التسعة وزوجته وحماته وأمه في بيت مُؤجر مؤلف من غرفة واحدة، وحمام داخلي مساحته متر بمتر، ومطبخه عبارة عن طاولة صغيرة. وكان دائماً يتذمر من عيشته التعيسة، فجاءه صاحب البيت ذات يوم، وطلب منه أن يربي له دجاجتين وديكاً في نفس المنزل الصغير مع العائلة، فثارت ثائرة المسكين، لكنه اضطر للرضوخ لطلب صاحب المنزل كي لا يطرده. وراحت العائلة تعاني من إزعاج الديك ووسخ الدجاجتين. وكي يزيد الطين بلة عاد صاحب البيت بعد فترة، وطلب من المستأجر أن يربي له عنزة في الغرفة ذاتها، فصارت الدجاجتان تلوثان الفراش بالأوساخ، وأصبح الديك يقاتل العنزة، بينما تثغو الأخيرة ليل نهار. ومما زاد في الطنبور نغماً أن صاحب البيت أمر المستأجر المسكين لاحقاً بأن يربي له عجلاً، فزادت محنته معاناة وألماً..

 

لكن صاحب المنزل المتغطرس حن على المستأجر بعد طول معاناة وانتظار، فخلصه من الديك والدجاجتين والعنزة والعجل. فطار المستأجر من الفرح، وراح يحدث أصدقاءه عن بيته الفسيح المريح قائلاً: «من يوم ما راحوا هالحيوانات الملاعين، وإحنا عايشين مبسوطين مبحبحين»، مع العلم أن البيت بقي على حاله طبعاً.

وهكذا حكاية الحكومات العربية مع شعوبها، فما أن تتذمر الشعوب من وضعها المأساوي حتى تقدم الحكومات على إجراءات أكثر مأساوية وبطشاً وتنكيلاً، فيلهج لسان الشعوب فوراً بالبيت الشهير: «رُب يوم بكيت فيه، فلما صرت في غيره بكيت عليه».

 بالأمس القريب كانت الشعوب تنادي بالتخلص من الظلم والطغيان واحترام حقوق الإنسان وتحقيق الديموقراطية، فجاءت أمريكا إلى العراق لتنقذ الأنظمة العربية من ورطتها أمام الشعوب المتملمة، وعندما وجدت الشعوب ما حل بالأشقاء العراقيين الذين كانوا يحلمون بالديموقراطية، لعنت الساعة التي نادت فيها بالمشاركة السياسية والحرية، وعادت لتسبح بحمد الحكام الذين بدوا، بالمقارنة مع الغازي الأمريكي الهمجي، حملاناً وديعة، فصاحت الشعوب بأعلى أصواتها: «الله يخلــّي لنا حكامنا الذين لا تعرف خيرهم حتى تجرب غيرهم».

 وعندما وجد الحكام أنهم فعلاً أفضل من «مغول العصر» الذين قلبوا المنطقة أعلاها سافلها، راحوا يسحبون بعض «المكرمات» التي كانوا يتصدقون ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فلسطين المحتلة والعقل الأميركي - عبد الوهاب المسيري -

كتبها marouanexp ، في 28 مايو 2008 الساعة: 21:31 م

 قد يظن بعض الناس أن عرض الخرائط التي تبيّن -بما لا يدع مجالا للشك- أن المنطقة المخصصة للدولة الصهيونية مبتورة وأنها غير قابلة للحياة، وقد يظن أن عرض الصور التي توضح طبيعة احتلال إسرائيل للمناطق الفلسطينية سيكون له نوع من التأثير على القراء من الأميركيين الفطنين حتى وإن كانوا غير ملمين بالموضوع عموما، ولكن يبدو أن الواقع غير ذلك.

 فالإنسان لا يستجيب للواقع المادي مباشرة (مثير تتبعه استجابة بطريقة مباشرة) وإنما يستجيب له من خلال إدراكه له، أو ما نسميه الخريطة الإدراكية، وهي مجموعة الأساطير والذكريات والرؤى والصور والمقولات القَبْلية (التي تسبق عملية الاستجابة للواقع المادي) التي تحدد ما يمكن أن يراه الإنسان في واقعه المادي المباشر.

 ويبدو أن الخريطة الإدراكية الكامنة في العقل الأميركي عن فلسطين المحتلة تحدد حدود الرؤية بقوة تجعل من الصعب بل من المستحيل على المثقفين الأميركيين حتى المتخصصين منهم، أن يدركوا الواقع في كل أبعاده، فما بالك بالإنسان الأميركي العادي الذي يقوم الإعلام الأميركي بمحو ذاكرته.

 وقد ظهر في 14 فبراير/شباط 2008 مقال في الموقع الإلكتروني www.counterpunch.com بقلم كاثيلين وبيل كريستيسون (وكانت كاثلين محللة سياسية سابقة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية ومؤلفة. أما بيل فكان مدير مكتب المخابرات المركزية الأميركية للتحليل الإقليمي والسياسي).

 وعنوان مقالهما التحدث مع الجدار: فلسطين في الفكر الأميركي، وهما يلقيان بعض الضوء على الإدراك الأميركي للصراع العربي الإسرائيلي.

 يقول المؤلفان: تحدثنا في الآونة الأخيرة مع مجموعة صغيرة بخصوص السياسة الخارجية (الأميركية) وكرسنا جزءًا كبيرًا من العرض الذي قدمناه لصور الظلم (الذي يلحق بالفلسطينيين) صور لا تظهر إطلاقا في الإعلام الأميركي. (وكان يراودنا) أمل ساذج في إحداث نوع من التأثير ولو ضئيل على الموقف الأميركي غير المبالي تجاه أربعين عاما من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

 إلا أن توقعاتنا بأن هؤلاء الناس قد يستمعون، وربما يتعلمون شيئا كانت للأسف في غير محلها. كان يبدو أن الكثير من أعضاء مجموعة المناقشة (من أعضاء النخبة السياسية والثقافية والمختصين) التي عقدت لمناقشة ما يحدث على أرض الواقع في فلسطين/إسرائيل، كانوا يشعرون بالقلق، وكان الموقف مثالا صارخا على عدم المبالاة الأميركية إزاء النظام الإسرائيلي القمعي في الأراضي المحتلة الذي تسمح به الولايات المتحدة، بل وتشجعه بفعالية في الكثير من الحالات.

 تصور الخرائط التي عرضناها للضفة الغربية -والتي أعدتها الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان الإسرائيلية، بوضوح تشتت قطع الأراضي المنفصلة غير المترابطة التي سوف تشكل الدولة الفلسطينية في أكثر السيناريوهات تفاؤلا- مناطق فلسطينية يفصلها الجدار العازل الذي يقتحم عمق الضفة الغربية، وتصور المستوطنات الإسرائيلية المنتشرة في كل الأنحاء وهي تشغل نحو 10% من الأراضي، ثم تصور شبكة الطرق التي تربط المستوطنات المتاحة للسائقين الإسرائيليين وحدهم، كما تصور غور الأردن المحظور حاليا على أي فلسطيني لا يعيش هناك بالفعل أي ما يمثل نحو ربع الضفة الغربية كاملة، الذي قررت إسرائيل مؤخرا ضمه إليها.

تشير الخرائط بوضوح إلى أن أكثر الخطط الإسرائيلية كرما ستترك دولة فلسطينية مكونة من 50 إلى 60 في المائة فقط من الضفة الغربية (التي تمثل 11 إلى 12 في المائة من فلسطين الأصلية)، مقسمة إلى العديد من الأجزاء المنفصلة ولا تتضمن أي جزء من القدس.

 تصور الصور التي التقطناها أثناء رحلاتنا العديدة إلى فلسطين في السنوات الأخيرة: الجدار العازل ونقاط التفتيش والحواجز التي تشبه الأقفاص وبيوت الفلسطينيين المهدمة والمباني الرسمية المدمرة والمستوطنات الإسرائيلية الواسعة المبنية على الأراضي الفلسطينية المصادرة وبساتين الزيتون الفلسطينية المدمرة والأنشطة التجارية في المدن الفلسطينية المتوقفة بسبب إغارات المستوطنين أو الجنود الإسرائيليين.

 عرضنا خرائط وصورا مثل هذه مرارا وتكرارا، ولكنها لم تقابل أبدا بمثل هذا من عدم المبالاة. هنا كانت مجموعة معظمها من المسؤولين الحكوميين ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أزمة المشروع الصهيوني

كتبها marouanexp ، في 26 مايو 2008 الساعة: 14:28 م

 قبل أكثر من نصف قرن وتحديدًا سنة 1956 كان بن غوريون أحد أهم رجالات الحركة الصهيونية، وأبرز من لعب دورًا في إنشاء إسرائيل وأول رئيس لوزرائها، يتحدث إلى ناحوم غولدمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية (1956 – 1968)، قائلاً إن الدولة اليهودية ستستمر في العشر أو الخمس عشرة سنة القادمة، ولكن احتمالات وجودها بعد ذلك هي 50%.

 الزعيم الصهيوني الكبير ناحوم غولدمان لم تفته مقولة بن غوريون وهو يكتب مقالته التي نشرها في مجلة الفورين أفيرز سنة 1975، إذ نبه غولدمان إلى أنه لا يوجد لإسرائيل مستقبل على المدى الطويل دون تسوية سلمية مع العرب، واعترف بأن مطالبة الصهاينة بدولة يهودية، كانت تتعارض بشكل تام مع كل مبادئ القانون الدولي والتاريخ الحديث.

 ويحاول هذا المقال تسليط الضوء على أزمة المشروع الصهيوني في الذكرى الستين لإنشاء الكيان الإسرائيلي التي تمر هذه الأيام، غير أنه من الضروري التنبه إلى ما يعانيه الوضع الفلسطيني والعربي والإسلامي من أزمات ليست محط تركيزنا في هذا المقال.

 أزمة في طبيعة إسرائيل وفي شرعيتها

 تكمن أزمة المشروع الصهيوني في أن الكيان الإسرائيلي الذي أنشأه هو كيان غير طبيعي، فهو كيان يمثل آخر بقايا الاستعمار الأوروبي التقليدي، وهو كيان قائم على الغصب والظلم، على هجرة جماعات يهودية من نحو 90 بلدًا، لتحل محل شعب يسكن أرضه منذ نحو 4500 عام، وهو كيان عنصري قائم على تفضيل فئة معينة وأتباع دين معيّن، دونما اعتبار لحقوق الآخرين.

 والكيانات العنصرية القائمة على سلب حقوق الآخرين، تحمل بذور فنائها في ذاتها، لأنها تسير عكس حركة التاريخ والتطور، وعكس سنن الله في الكون، وتظل مسألة بقائها مسألة زمن، ومسألة مرتبطة بقيام أصحاب الحق في الأرض بواجبهم تجاه استرجاع حقوقهم.

 وحتى يضمن هذا المشروع بقاءه فأمامه أحد احتمالين، الأول أن يتحول من كيان غير طبيعي إلى كيان طبيعي في المنطقة، بحيث تلغى الصورة الشائعة عنه باعتباره سرطانًا في جسد الأمة العربية والإسلامية.

 غير أن هذا لا يمكن أن يتم إلا إذا حلّ أزمته في وجود إيمان عميق لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين بأنه كيان غير شرعي. وصكّ الشرعية لا يمكن الحصول عليه من خلال موازين القوة، ولا حتى القرارات الدولية؛ لأن أصحاب الأرض هم الجهة الوحيدة التي تملك حق التصرف فيها.

 هل يمكن مثلاً للكيان الإسرائيلي الوصول إلى تسوية نهائية مقنعة للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج؟ ما من شك في أنه لا يلوح في الأفق حلّ يضمن عودة اللاجئين الفلسطينيين، ولا إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على أرضها. ولا يزال الحد الأعلى الذي يقدمه أكثر الإسرائيليين اعتدالاً، بعيداً عن الحد الأدنى الذي يقبله أكثر الفلسطينيين تهافتًا على مشروع التسوية.

 وتجد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية نفسها حاليا في وضع مهترئ، لا يمكنها من التحدث باسم جميع الفلسطينيين. وحتى لو توصلت إلى تسوية منقوصة، فليس بإمكانها فرضها على باقي الفلسطينيين.

 وعلى الرغم من استعداد الأنظمة الرسمية العربية والإسلامية للسير في مشروع التسوية، فإن الأغلبية الساحقة من الشعوب العربية الإسلامية وخصوصًا في الدول المحيطة، لا تزال تؤمن بعدم شرعية إسرائيل.

 وكثير من هذه الأنظمة غير مستقرة، وإذا ما عصفت بها رياح التغيير، فليس هناك أي ضمان لأية تسوية، كما أن عملية التطبيع شهدت فشلاً كبيرًا في كلٍّ من مصر والأردن.

 أما الاحتمال الثاني فهو مرتبط ببقاء هذا الكيان قويًّا، وبقاء ما حوله من الأنظمة والشعوب ضعيفًا مفككًا متخلفًا. وهي المعادلة التي لا تزال إسرائيل قائمة عليها منذ إنشائها.

 ولم يكن السفير الإسرائيلي في إسبانيا رفائيل سوتش بعيدًا عن الحقيقة عندما صرَّح في 11/5/2008 بأنه لولا القوة العسكرية الإسرائيلية لما تمكنت إسرائيل من البقاء حتى لخمس دقائق!! وهو ما يفسر المقولة المتداولة بأن إسرائيل يجب أن تنتصر في كل حروبها، وأنها لا تحتمل هزيمة حقيقية واحدة.

 تملك إسرائيل أكثر من 200 رأس نووي، ولديها جيش متطور يمكن أن يهزم جيوش الدول العربية مجتمعة، بناء على تحالفها الإستراتيجي مع أميركا، ويبلغ نصيب الفرد الإسرائيلي الواحد من النفقات العسكرية نحو 2000 دولار سنويا، مقابل 42 دولارا للفرد المصري مثلاً.

 ولكن لا تستطيع إسرائيل أن تجيب عن سؤال بسيط هو إلى متى تستطيع أن تضمن بقاءها قوية، وأن تظل البلدان العربية والمسلمة ضعيفة؟ خصوصًا إذا ما ظل العرب والمسلمون يعتبرون معركتهم مع إسرائيل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السياسة بين النص والمصلحة - العلامة الدكتور يوسف القرضاوي -

كتبها marouanexp ، في 24 مايو 2008 الساعة: 21:46 م

 من النقاط المهمة التي يتحدث عنها كثيرون من الحداثيين والعلمانيين: أن السياسة إذا ارتبطت بالدِّين، فإن الدِّين يقيدها، ويعوقها عن الانطلاق، وخصوصا إذا فُهم الدِّين على أنه التزام بالنصوص الجزئية والتفصيلية من الكتاب والسنة.

فالسياسة تحتاج إلى أن تتحرك في فضاء واسع من النظر في المصالح والمفاسد والموازنة بينهما إذا تعارضتا. وكثيرا ما تحتاج السياسة إلى الكر والفر، وإلى نوع من الدهاء والمكر مع الأعداء. وقد لا يبيح الدِّين لأصحابه كل هذا القدر من التوسع والترخص. وبذلك تكون الغلبة لأعداء الدِّين، حيث يكونون هم في حِل من الالتزام بأية قيود، ونكون - نحن المسلمين- المكبلين بالأوامر والنواهي.

 وهذا ما لم نتخذ طريقا آخر في فَهم الدِّين، وهو النظر إلى المقاصد الكلية للدين، لا إلى النصوص الجزئية له. على وفق ما فعل عمر الخليفة الثاني، الذي عطل بعض النصوص لتحقيق مصالح المسلمين، فيما زعموا.

 وبدون هذا يظل الدِّين - في إطاره القديم وفَهمه التقليدي- عقبة أو حجر عثرة في طريق السياسة، أو طريق الدولة الحديثة، في عالمنا المتشابك.

 وهذا الكلام فيه خلط ولبس كثير، إن أحسنا الظن بقائله، وفيه تلبيس شديد، إن لم نحسن الظن.

 الشريعة إذا أحسن فهمها ليست قيدا بل منارة تهدي :

 الدِّين منارة تهدي، وليس قيدا يعوق. وأن الشريعة -كما قال ابن القيم- عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل!

 ومن ثَمَّ تكون الآفة في أفهام المسلمين للإسلام وشريعته، وليست في الإسلام نفسه.

 ولهذا كان من الواجب الدعوة إلى حسن فَهم الإسلام وأحكامه، لا إلى تنحيته من الطريق، لتمضي السياسة حرة، لا تتقيد إلا بالمصلحة، كما يراها من يراها من الناس.

 إن بعض الناس ينظر إلى الإسلام نظرة مثالية لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فهو يتخيل إسلاما يحلق بأصحابه في أجواء مجنحة، ولا ينزل إلى أرض الواقع.

 وهذا غير صحيح، فالإسلام - مع مثاليته الرفيعة - يعالج الواقع كما هو، بخيره وشره، وحلوه ومره، ويجيز استعمال المكر والدهاء مع أهل المكر والدهاء، ويقول: الحرب خدعة، ويرى أن الضرورات تبيح المحظورات، وأنه يجوز في وقت الضيق والاضطرار، ما لا يجوز في وقت السَّعَة والاختيار، وأن الحاجة قد تنزّل منزلة الضرورة، وأن المشقة تجلب التيسير، وأن لا ضرر ولا ضرار، ولا عسر في الشرع، ولا حرج في الدين. ومن قواعده: ارتكاب أخف الضررين، وأهون الشرين، واحتمال الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وقبول الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما. وكلها من النظرة الواقعية التي هي من خصائص الإسلام وشريعته.

 أما (النظرة المقاصدية) للدين وللشريعة، فنحن في مقدمة الداعين إليها، والأحفياء بها، ولكن الذي نحذر منه أبدا: أن تتخذ النظرة المقاصدية واعتبار المصالح ذريعة لتعطيل النصوص من الكتاب والسنة، وخصوصا إذا كانت النصوص مُحكمة قاطعة؛ فهذه لا يملك المؤمن أمامها إلا أن يقول: (سمعنا وأطعنا). والقرآن صريح كل الصراحة في ذلك، وأن هذا الإذعان هو مقتضى الإيمان، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51].

 الموازنة بين النصوص والمقاصد :

 والذي ندعو إليه دائما هو: الموازنة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية، أو بعبارة أخرى: النظر إلى النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية، ولا يجوز أن نضرب إحداهما بالأخرى، فهي تتكامل ولا تتناقض.

 وقد ذكرنا في كتابنا عن مقاصد الشريعة: أن هناك مدارس ثلاثا في هذه القضية:

 الأولى: المدرسة الحرفية: أو من سميتهم (الظاهرية الجدد) الذين يركزون على النص الجزئي، ويفهمونه فَهما حرفيا، ولا يكادون يفهمون أي وزن للمقصد الكلي. وبهذا يصطدمون بالواقع، ويضيقون على الناس فيما وسع الله فيه، ويعسرون ما يسر الله.

 والثانية: المدرسة المقابلة لتلك، وهي التي تُغفل النصوص تماما، ولا تعيرها أي التفات، بدعوى أنها تنظر إلى المقاصد، وتهتم بالفحوى. وهم الذين سميتهم (المدرسة المعطلة). فقد كان هناك قديما من سماهم علماؤنا (المعطلة) ولكن كان تعطيلهم في مجال العقيدة، وهؤلاء الجدد تعطيلهم في مجال الشريعة.

 وهؤلاء الذين يريدون أن يلغوا تحريم الربا في مجال الاقتصاد، ويلغوا الحدود في مجال العقوبات، ويلغوا الطلاق وتعدد الزوجات في مجال الأسرة، ويلغوا الاحتشام (الحجاب) في مجال المرأة، ويلغوا الجهاد في مجال الدفاع عن الدعوة والأمة … إلخ.

 والثالثة: هي التي تنظر إلى النص الجزئي والمقصد الكلي نظرة متوازنة، وهي المدرسة الوسطية، التي ينبغي أن نعتمد نظرتها إلى الشريعة وإلى الواقع. وهي التي يمكن أن يرتضيها جمهور المسلمين، والمدرستان الأخريان لا تحظيان عمليا بالقَبول. ناهيك بأنهما -من الناحية العلمية المحض- غير مُسلَّمتين.

 الادعاء على عمر رضي الله عنه أنه عطل النصوص باسم المصالح :

 والعلمانيون يتبنون المدرسة الثانية - مدرسة التعطيل للنصوص- ويتكئون على مقولات تزعم أن عمر بن الخطاب عطل النصوص القرآنية باسم المصالح. وإننا نعيذ عمر أن يفعل ذلك. وقد كان وقَّافا عبد كتاب الله. وقد ردت عليه امرأة في مسألة مهور النساء، فانصاع لقولها، وقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر!

 وقد كانت رعية عمر من الصحابة الكرام، من المهاجرين والأنصار، الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين لا يقبلون بحال: أن يُعطَّل كتاب الله، وأن يبدَّل شرع الله، وهم ساكنون. لو افترضنا أن عمر فعل ذلك -وما هو بفاعل- ما قَبِل هؤلاء أبدًا، وفيهم عرق ينبِض.

 ومما نأسف له: أن مفكرا موصوفا بالاعتدال مثل د. عابد الجابري، سار في هذا الدرب، وقال ما قاله دعاة (العلمانية) التي ينكرها ولا يقرها. فقد ذكر في كتابه (الدِّين والدولة وتطبيق الشريعة): أن الصحابة كثيرا ما نجدهم يتصرفون بحسب ما تمليه المصلحة، صارفين النظر عن النص، ولو كان صريحا قطعيا! إذا كانت الظروف الخاصة تقتضي مثل هذا التأجيل للنص.

 ولقد ذكر د. الجابري بعد ذلك: أن الممارسة الاجتهادية للصحابة كانت تتخذ المصلحة مبدءا ومنطلقا، فإذا تعارضت المصلحة مع النص في حالة من الحالات، وجدناهم يعتبرون المصلحة، ويحكمون بما تقتضيه، ويؤجلون العمل بمنطوق النص فيها.

 وهذه دعوى خطيرة على الصحابة الذين كانوا يحتكمون إلى النصوص إذا اختلفوا، كما قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59]، وإذا ووجه أحدهم بالنص، لم يسعه إلا أن ينقاد له بلا تلكُّؤ ولا تردد.

 ولقد ذكر الدكتور الجابري من أدلة ذلك: ما جرى من أبي بكر وعمر، حول أداء الزكاة بعد رسول الله r. هل تؤدى للدولة أو تترك للأفراد يؤديها كل منهم كما يشاء؟

 كان رأي سيدنا أبي بكر أن تؤدى الزكاة إليه، وإلى ولاته وعماله، كما كان الحال في عهد النبي r فإن لم يفعلوا قاتلهم الخليفة من أجل هذا الحق المعلوم، الذي هو الركن الثالث من أركان الإسلام.

 وهنا توقف عمر في قتالهم، وقال لأبي بكر: كيف نقاتل الناس، وقد قالوا: لا إله إلا الله؟ وقد قال النبي r: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله) فإذا قالوها فقد عصموا من دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله. فقال أبو بكر: إن الزكاة حق المال. والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه!

 وهنا نجد المناقشة بين الصحابيين الكبيرين تقوم كلها على الاحتجاج بالنصوص، لا الاستدلال بالمصالح كما يقول الدكتور. رأينا عمر يعتمد على نص الحديث، وينسى القيد الذي فيه (إلا بحقها)، فذكَّره أبو بكر: أن الزكاة حق المال، ثم أكد ذلك بأن الزكاة كالصلاة يقاتل عليها، كما قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [لتوبة:5].

 وزاد ذلك تأكيدا بأنه متبع وليس بمبتدع، فما كان في عهد رسول الله، يجب أن يستمر.

 وما أصدق ما علّق به بعض الصحابة على موقف أبي بكر، فقال: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه! إذ لم يفرق بين الصلاة والزكاة. ثم تلا: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ}[التوبة:5]، {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}[التوبة:11].

 وما قاله الجابري من أن عمر كان ينظر إلى المسألة من جهة الدِّين وأن أبا بكر كان ينظر إليها من جهة الدولة: قول لا دليل عليه من حياة الرجلين. والزعم بأن الزكاة رمز للولاء السياسي ليس هو الدافع لأبي بكر إلى قتال مانعي الزكاة،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بين الحسم في بيروت والحسم في غزة - راشد الغنوشي -

كتبها marouanexp ، في 20 مايو 2008 الساعة: 19:00 م

 رسالة الإسلام في لبنان اليوم تدفع إلى رأب الصدع ومنع الفتنة من أن تستفحل، حتى يستمر هذا البلد رمزا ودرعا للمقاومة والجهاد في مواجهة أعدى أعداء الأمة، في زمن الاستطالة عليها وتجريدها من كل مقومات الصمود والمقاومة.

 إن ارتفاع صوت سنة لبنان بالذات صدعا بالحق وسط هذه الفتنة التي أخذ شررها يتطاير، مهم جدا بسبب ما لحقها من هوان بلغ حد دفاع بوش عنها وأتباعه الفاسدين، بعد أن غدت ممثلة في قطاعها الأوسع بقيادات إمعات، واضعة يدها في أيدي ملوثة بدماء المسلمين منغمسة حتى الأذقان في التواطؤ مع الأعداء، وذلك في مواجهة معارضة يقودها رمز مجلل بعزة الإسلام وهالات الجهاد والاستشهاد.

 إنه مفيد جدا في هذه اللحظة التي تفور فيها الدماء ويختلط الحابل بالنابل تمييز الصديق من العدو والحق من الباطل وصفّ المدافعين عن الأمة حتى وإن أخطؤوا من صف الكائدين لها أو المتورطين بوعي أو بدونه معهم، فليس يتساوى من طلب الحق فأخطأه مع من طلب الباطل فأدركه، مفيد بل مهم جدا بصدد هذه الأزمة المتشابكة إبراز النقاط التالية تجلية للصورة التي تغبشت إلى حد صعوبة الرؤية:

 

1- واضح أن الحالة اللبنانية حالة استثنائية في الوضع العربي من أكثر من وجه، وهو ما سمح لهذه الرقعة الصغيرة بأن تحقق انتصارات ساحقة على عدو مدعوم من أقوى دول العالم، استسلمت أمامه كل دول المنطقة.

 ومن وجوه هذا الاستثناء التركيبة الطائفية للدولة، ترجمة للتركيبة السكانية، بما جعل شرعيتها مستمدة من صيغة توافقية للعيش المشترك، تحدد نصاب كل شريك في السلطة، فإذا اختل هذا التوافق اهتزت قواعد العيش المشترك، فذرّ التحارب الأهلي بقرونه، فتداعى البناء للسقوط.

 وهذا ما حدث منذ انسحاب المكون الشيعي من الحكومة وقيامه عمليا بتجميد المؤسسة النيابية، بصرف النظر عن صواب أو خطأ ذلك الانسحاب.

 2- واضح كذلك أن ما حققه حزب الله من انتصارات ساحقة على عدو الأمة -مما رفع مكانه عاليا في نفوسها- ما كان ليتحقق لحزب في أي دولة تقوم على ما هو معتاد في الدول من حقها الحصري في احتكار حمل السلاح واستخدامه.

 الذين طالبوا بنزع حزب الله وهو عائد من المعركة مجللا بالنصر على أعداء الأمة ينسون أو يتناسون هذه الحقيقة: أن دولتهم وجيشهم ليسا في وارد الصمود يوما واحدا في مواجهة عدو استسلمت له جيوش العرب، وهو ما يجعل مطالبتهم بحق الدولة حصريا في حمل السلاح من قبيل كلمات الحق التي يراد بها الباطل، ويضعهم في هذا الخطاب مجرد ناطقين باسم العدو شاؤوا أم أبوا. وبعضهم على الأقل يفعل ذلك كما فعله سابقا واعيا بما يأتي.

 3- واضح كذلك أن ما تحقق على يد حزب الله من عزة ونخوة واستعادة كرامة لأمة مهيضة الجناح أذلها حكامها، ما كان ليحدث بعد فضل الله ثم فدائية حزب الله قيادة وأعضاء وجمهورا، لولا الفرص التي وفرتها له هذه البنية الهشة للدولة والأوضاع الإقليمية ممثلة في تدخل نظامين (السوري والإيراني) لهما مصلحة في دعمه، ليحقق الاختراق الاستثناء في نقطة من التقاطع مع مصلحة إستراتيجية للأمة في التصدي للاجتياح الأميركي الصهيوني لها واستباحة حرماتها وثرواتها، مدعوما بتواطؤ أو صمت من جملة النظام العربي.

وهو ما جعل من لبنان هذه الرقعة الصغيرة ساحة لصراعات دولية وإقليمية، مهما تعددت ألوانها، تبقى معسكراتها الأساسية واضحة: المعسكر الأميركي الغربي الصهيوني في مواجهة معسكر المقاومة والممانعة ممثل بإيران وسوريا وحزب الله وحماس والجهاد.

 ومهما كان اختلاف المرء مع طرف في هذا المعسكر أو ذاك فليس أمامه من سبيل إذا اعتبر أن هاهنا معركة حقيقية وليست تمثيلية وأنها معركة تجري في ساحة تهمه ويهمه المنتصر والمهزوم فيها، إلا أن يتخ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي